اسد حيدر

392

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

وقد قام الإمام الصادق بدوره في عصره فأعلن للملإ أضرار الظلم ، لأن كل فساد في الأرض وشق لعصى الطاعة ، واضطراب في نظام العمران إنما يعود إلى الجور بين الناس ، بل إن كل قحط وجدب وضيق وضنك ، وجوع وخوف وبلاء وانتقام إنما هو من ظلم العباد بعضهم بعضا ، لذلك أمر الإمام الصادق بالابتعاد عنهم ، كما أبعد عنه المتقرب إليه منهم وحرم الولاية لهم ، لأنه يرى : « أن في ولاية الجائر دروس الحق كله ، وإحياء الباطل كله ، وإظهار الظلم والجور » ، كما ورد عنه ذلك ، وكان يقول : العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء . ودخل عليه عذافر فقال عليه السّلام : بلغني أنك تعامل أبا أيوب والربيع ، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة ؟ ونهى يونس بن يعقوب عن معاونتهم حتى على بناء المساجد . وسأله رجل من أصحابه عن البناء لهم وكراية النهر ، فأجابه عليه السلام : « ما أحب أن أعقد لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء ولا مدة بقلم ، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم اللّه بين العباد » . وجاءه مولى من موالي علي بن الحسين عليه السّلام فقال له جعلت فداك لو كلمت داود بن علي أو بعض هؤلاء فأدخل في بعض هذه الولايات . فقال له عليه السّلام ما كنت لأفعل . فانصرف إلى منزله متفكرا ، وقال ما أحسبه منعي إلا مخافة أن أظلم أو أجور ، واللّه لآتينه ولأعطينه الطلاق والعتاق والايمان المغلظة أن لا أظلم أحدا ولأعدلن . قال فأتيته فقلت : جعلت فداك إني فكرت في إبائك عليّ ، فظننت أنك إنما كرهت ذلك أن أجور أو أظلم ، وإن كل امرأة لي طالق وكل مملوك لي حر وعليّ وعليّ . . . إن ظلمت أحدا أو جرت عليه ولم أعدل . فقال عليه السّلام : كيف قلت ؟ فأعدت عليه الايمان ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : تناول السماء أيسر عليك من ذلك « 1 » . وقد وردت عن أهل البيت أحاديث بجواز الولاية إذا كان فيها صيانة العدل وإقامة حدود اللّه ، والإحسان إلى المؤمنين ، والسعي في الإصلاح ، ومناصرة

--> ( 1 ) الجواهر في باب التجارة ص 36 .